خطرُ الفتوى بغير علم
خطرُ الفتوى بغير علم
د.يحيى عبد الحسن هاشم
من أخطر الأمور أن يتحدث الإنسان في الحلال والحرام وهو لا يملك المعرفة الكافية، ولا يعرف كيف يفهم النصوص الشرعية، ولا يدرك لماذا يختلف العلماء أحيانًا في بعض المسائل.
فبعض الناس يقرأ رواية أو يشاهد مقطعًا قصيرًا، ثم يبدأ بإصدار الأحكام، وقد يتهم الآخرين بالخطأ أو الانحراف، فقط لأنه لم يفهم طبيعة البحث الفقهي وتعقيده.
والحقيقة أن الفقه علمٌ دقيق، وليس أمرًا بسيطًا كما يتصور البعض.
فالفقيه يقضي سنوات طويلة في دراسة:
القرآن الكريم وتفسيره،
والروايات وتمحيص أسانيدها،
والقواعد الأصولية،
وكيفية الجمع بين الأدلة،
ومعرفة موارد الوجوب والحرمة والاستخباب والإباحة..
والتمييز بين الفتوى والاحتياط،
وبين الحكم الشرعي والحكم الأخلاقي أو الاجتماعي.
وغير ذلك ...
ولهذا قد يختلف العلماء في بعض المسائل؛ لأن بعض النصوص تحتمل أكثر من معنى، أو لأن طريقة فهم الأدلة تختلف من فقيه إلى آخر وفق القواعد العلمية المعروفة.
وقد حذّر القرآن الكريم بشدة من الكلام على الله بغير علم، فقال تعالى:
﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
سورة البقرة: 169.
وقال سبحانه:
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ... وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
سورة الأعراف: 33.
وفي نهج البلاغة قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام:
«إنَّ أبغضَ الخلائقِ إلى اللهِ رجلان: رجلٌ وَكَلَهُ اللهُ إلى نفسِهِ... ورجل قمش جهلاً ..قد سمّاهُ أشباهُ الناسِ عالمًا وليسَ به..».نهج البلاغة، الخطبة 17.
وللأسف قد نرى أحيانًا أشخاصًا يدّعون العلم، ويظهرون في الإعلام أو على مواقع التواصل ويتحدثون بثقة كبيرة، مع أنهم لا يحيطون ببعض المسائل بدقة، فيُفتون بحسب فهمهم الشخصي، وربما لا يكون فهمهم صحيحًا. وهذه مشكلة خطيرة؛ لأن الناس قد تأخذ كلامهم على أنه حكم ديني ثابت.
ولهذا نحن بحاجة إلى تحصين أنفسنا بالوعي الديني الصحيح، والرجوع إلى أهل الاختصاص، ومحاولة فهم الرسائل العملية وفتاوى العلماء بهدوء ودقة.
نعم؛ قد نجد بعض المصطلحات الفقهية صعبة على عامة الناس، وبعض الفتاوى قد تحتاج إلى شرحٍ وتوضيحٍ وتقريبٍ للذهن، ولذلك تبرز الحاجة إلى مشروعٍ علميٍّ جادٍّ يُعنى بتبسيط الخطاب الديني، وإعادة تقديم الرسائل العملية والأحكام الشرعية بلغةٍ واضحةٍ ميسّرة، يفهمها الناس بمختلف مستوياتهم الثقافية، بعيدًا عن التعقيد الاصطلاحي والغموض في التعبير، مع الحفاظ الكامل على الدقة العلمية والأمانة الفقهية.
إن احترام التخصص العلمي في الدين ليس ضعفًا، وإنما هو عين العقل والورع والمسؤولية، كما أن تبسيط العلم للناس ليس تقليلًا من شأنه، بل هو من أعظم صور الخدمة الدينية المعرفية والتبليغ الواعي.
تحميل الملف
إخترنا لكم
- ورقة بحثية: الخطاب المنبري من صحة الرواية الى صحة الفهم والتطبيق
- حسينٌ مني وأنا من حسين .. قراءة في الامتداد الرسالي بين رسول الله والحسين عليهم السلام
- ولادة إنسان غَيّر معنى الإنسان ؛ رسول الله صلى الله عليه وآله والتحول الإنساني
- المعجزة وحجية قول النبي صلى الله عليه وآله عند العلّامة الطباطبائي
- العقل العملي في القرآن الكريم ( ندوة فكرية )
- جهاد التبيين وميثم التمّار… الكلمة التي لا تُشترى
- الدين وفهم قراءة الدين… مسافة الوعي والبصيرة
- المرأة والطب؛ رؤية متوازنة بين العفاف وخدمة المجتمع
آخر الأسئلة و الأجوبة
- الاقتران بين الحب للعترة الطاهرة والعمل هما المنجيان
- هناك من يدعي المنافاة بين طول العمر والعادة المطردة لقصر العمر
- كيف تقرؤون نوعية الخطاب الديني والخطيب
- ماهو الفرق بين مصطلح الوثاقة والوثوق
- كيف تفسرون موقف السيدة زينب الذي أسقط النسخة المزيفة للإسلام الأموي؟
- هل توجد آية قرآنية صريحة في ولاية علي عليه السلام؟
- ماهي نصيحتكم لنا في قراءة البحوث القرآنية والعقدية ورد الشبهات؟
