مقاربة نقدية لقصة زواج النبي (ص) من زينب بنت جحش
مقاربة نقدية لقصة زواج النبي (ص) من زينب بنت جحش
أورد بعض المفسرين والمحدثين بعض الروايات تنال من مقام رسول الله (صلى الله عليه وآله)، من زواجه بزينب بنت جحش، وهذه الروايات لا قيمة لها من الناحية العلمية؛ لأن مقام العصمة يأبى ذلك والخلق الذي كرّمه المولى لرسوله يتنافى مع هذه الروايات الواهية. ولدفع هذه الشبهة نذكر الرواية أولاً، ومن ثَم نضعها على بساط البحث.
نص الرواية:
" فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة، زوجّه (أي زيد بن حارثة) زينب بنت جحش، وأبطأ عنه يوما فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله منزله يسأل عنه، فإذا زينب جالسة وسط حجرتها تسحق طيبا بفهر، فنظر إليها وكانت جميلة حسنة، فقال: سبحان الله خالق النور وتبارك الله أحسن الخالقين. ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى منزله ووقعت زينب في قلبه موقعا عجيبا "
المناقشة
وعند التأمل ومتابعة المصادر التأريخية والروائية يمكن لنا أن نناقش هذه الرواية بلحاظ الأمور التالية.
1-إنّ الأصل في وجود هذه الرواية في المصادر الشيعية بحسب تتبعنا واستقرائنا هو ما نقله علي بن إبراهيم القمي في تفسيره ([1]). وكل من ذكرها بعده فهو ناقل منه كالفيض الكاشاني ([2]). والبحراني ([3]). والمجلسي وغيرهم .
ولكنّ أكثر علماء الشيعة ومفكريهم ناقشوا في نسخ هذا الكتاب وشكّكوا فيه وانه ملفق بين تلميذ القمي (أبو الفضل العباس وما رواه عن أبي الجارود) بعد لحاظ الشذوذ والخلط في بعض الروايات.
قال الشيخ السبحاني:> إن التفسير المتداول المطبوع كرارا ليس لعلي بن إبراهيم وحده وإنما هو ملفق مما أملاه علي بن إبراهيم على تلميذه أبي الفضل العباس وما رواه التلميذ بسند خاص عن أبي الجارود...< ([4]).
وقال أيضاً: " ثم إنّ الاعتماد على هذا التفسير بعد هذا الاختلاط مشكل جدا؛ خصوصاً مع ما فيه من الشذوذ في المتون، وقد ذهب بعض أهل التحقيق إلى أن النسخة المطبوعة تختلف عما نقل عن ذلك التفسير في بعض الكتب" ([5]).
إذن نستنتج مما تقدم أن هذا التفسير لا يمكن أن يُعتمد عليه بصورة قطعية، لورود الاحتمال والتشكيك في النسخ وكذلك للغرابة في نقل المتون.
2-ثم على فرض التسليم بها؛ ولكن كيف نقبل ما ورد من نكارة في متنها وأنه يتنافى مع عصمة الرسول الأكرم ’، لذا فقد علّق السيد المرتضى على هذه الرواية قائلاً: " قلنا لم ننكر ما وردت به هذه الرواية الخبيثة من جهة أن فعل الشهوة يتعلق بفعل العباد وأنها معصية قبيحة، بل من جهة أن عشق الأنبياء (ع) لمن ليس يحل لهم من النساء منفر عنهم، وحاط من مرتبتهم ومنزلتهم وهذا مما لا شبهة فيه"([6]).
3-ثم إنّ العلاّمة الطباطبائي وان أوردها في كتابه وهذا منهجه في بحثه الروائي، ولكن هذا لا يعني التسليم بها، لذا نجده يستهجن هذا النقل، بقوله:
> ومن ذلك يظهر أن الذي كان النبي (ص) يخفيه في نفسه هو ما فرض الله له أن يتزوجها لا هواها وحبه الشديد لها وهي بعد مزوجة كما ذكره جمع من المفسرين، واعتذروا عنه، بأنها حالة جبلية لا يكاد يسلم منها البشر؛ فإن فيه:
أولا: منع أن يكون بحيث لا يقوى عليه التربية الإلهية.
وثانيا: أنه لا معنى حينئذ للعتاب على كتمانه وإخفائه في نفسه فلا مجوز في الإسلام لذكر حلائل الناس والتشبب بهن<([7]).
4-وللعلامة العسكري كلام حول هذه الرواية أيضاً، قال:
> وبيان زيف ذلك أن زينب كانت ابنة عم النبي (ص)، وقد نزل حكم الحجاب بعد زواج النبي (ص) بها وكان قد رآها قبل أن يزوجها من زيد مرارا وتكرارا وقد افترى على رسول الله (ص) من قال ذلك <([8]).
5-وكذلك الشيخ مكارم الشيرازي قال معلقاً عليها:
>مع أن القرآن كان غاية في الصراحة في قصة زواج النبي الأكرم (ص) من زينب ... إلا أنها ظلت مورد استغلال جمع من أعداء الإسلام، فحاولوا اختلاق قصة غرامية منها ليشوهوا بها صورة النبي المقدسة، واتخذوا من الأحاديث المشكوك فيها أو الموضوعة في هذا الباب آلة وحربة يلوحون بها ... في حين أن هناك دلائل واضحة بغض النظر عن مسألة العصمة والنبوة تكذب هذه الأساطير ...<([9]).
6-ولي نظر وحدس (باحث عن الحقيقة) يُكمّل ما تقدم من هذه الأقوال، هو أننا عندما نستقرأ النقل التأريخي لهذه الواقعة والحادثة نجد أن أغلب طرقها وأسانيدها في التراث السّني بحيث يتعجب المرء من كثرة ما نُقل عنها، فقد رواها احمد بن حنبل وابن أبي حاتم وابن سعد وابن حبان والطبري والحاكم النيسابوري والثعلبي وابن الجوزي وابن كثير والبغوي والقرطبي وابن حجر العسقلاني والسيوطي وو... فلم لا نَقول أنها تسرّبت من ذلك التراث إلى مصادرنا الحديثية، وهذا لا غرابة فيه ولا نستبعده، وذلك بلحاظ أمرين:
الأول: كثيراً ما نجد أن منهج المؤلف الشيعي في بعض الكتب هو الجمع الروائي بغض النظر عن التمحيص والتدقيق.
والثاني: أنه لم يكن في عُرف فقهائنا في تلك الأزمنة هذا التعقيد المذهبي كما هو اليوم وهذا الزمن، فهناك من مشايخ الصدوق من هو سنيّ المذهب كأبي علي الحسين بن أحمد البيهقي وأبو نصر أحمد بن الحسين بن أحمد بن عبيد الله الضبي وغيرهم، فيمكن والحال هذه أن نجد بعض الروايات من هذا القبيل ولكن-ونؤكد على ذلك-أنه على نحو النقل والسرد وليس النقد وهذا ممكن وغير بعيد.
الهوامش
([1]) تفسير علي بن إبراهيم القمي ، ج2 ص 173.
([2]) تفسير الصافي ، ج4 ص163.
([3]) البرهان في تفسير القرآن ، ج4 ص411.
([4])كليات علم الرجال ص 313 .
([5])المصدر نفسه، ص 316 .
([6]) تنزيه الأنبياء، ص 157.
([7]) تفسير الميزان، ج16 ص 323.
([8]) عقائد الإسلام من القرآن الكريم ج1 ص255.
([9]) الأمثل، ج 13 ص 190.
إخترنا لكم
- ظاهرة الغلو في الدين .. مقاربات ومعالجات
- تكريمنا في المهرجان العالمي البحثي لاسبوع التحقيق السنوي
- رويكردى نو حديث غدير ( مقاربة جديدة في حديث الغدير )
- قناة كنوز المعرفة / قناة فكرية تخاطب العقل الإنساني الواعي
- تطبيق " صدرنا " كتب وبحوث المفكر الإسلامي محمدباقر الصدر
- صدور كتاب النظرية المهدوية في واقعها العقلي والروائي
- العلم الإجمالي وتطبيقاته على النصوص الحديثية والكلامية
- دراسة حديثة تتناول مناهج المحدثين في التشدد والتساهل والاعتدال وانعكاسه على التراث الحديثي
آخر الأسئلة و الأجوبة
- هلاّ ارشدتني إلى كتب استطيع من خلالها الإلمام بعلم الجرح والتعديل
- شبهات حول عرض الحديث على القرآن
- ما هو التعريف الدقيق لمفهوم فلسفة الدين، وما هو المراد من الدين ؟
- الدكتور بشار عواد وفهمه المغلوط لمعنى البداء
- هل من ترك زيارة الحسين (ع ) من غير علة يستحق الدخول في النار؟
- كيف نتعامل مع الإشاعة وما هي الطرق لمواجهتها
- كيف نفهم التجديد والحداثة وما هي قراءتكم له ؟