الفلسفة والحكمة في ميزان النص القرآني والروائي
♦️الفلسفة والحكمة في ميزان النص القرآني والروائي
▫️يحيى عبد الحسن هاشم
إلى الذين يجعلون من محاربة الفلسفة شعارًا عامًا، لا بدّ من التفريق بين الفلسفة بوصفها «حكمةً وعقلًا وتأملًا في الوجود»، وبين بعض المسارات الفكرية المنحرفة التي قد تُفضي إلى الشك أو الانحراف العقدي عند من لا يمتلك أدوات الفهم والتمييز.
إنّ كثيرًا من الأعلام الذين حذّروا من بعض أنواع الفلسفة، لم يقصدوا إبطال العقل أو رفض البرهان، وإنما حذّروا من الدخول في مباحث دقيقة بلا أهلية علمية، أو من تبنّي مبانٍ تصادم الوحي واليقينيات الدينية.
أمّا أصل التعقل والتفكر والاحتجاج العقلي، فهو من صميم القرآن الكريم ومنهج أهل البيت عليهم السلام.
فالقرآن الكريم مليء بالدعوة إلى التفكير والنظر العقلي:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾
سورة النساء: 82.
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾
سورة آل عمران: 190.
﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾
سورة البقرة: 111.
وهذه الآيات تؤسس لمنهج البرهان، لا لمنهج التقليد الأعمى. والقرآن نفسه يعتمد الاستدلال العقلي في إثبات التوحيد والمعاد والنبوة والإمامة.
وقد سار أئمة أهل البيت عليهم السلام على هذا النهج؛ فكان الإمام جعفر بن محمد الصادق يحاور الزنادقة والدهريين بمنطق العقل والبرهان، كما في احتجاجاته مع ابن أبي العوجاء وغيرها، وكان الإمام علي بن موسى الرضا يقيم المناظرات الكلامية والفلسفية مع أصحاب الأديان والمذاهب المختلفة في مجلس المأمون.
ومن أوضح النصوص في تعظيم العقل ما رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام:
«إنَّ لله على الناس حجتين: حجةً ظاهرةً وحجةً باطنة؛ فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة، وأما الباطنة فالعقول».
الكافي، الشيخ محمد بن يعقوب الكليني، ج1، ص16، دار الكتب الإسلامية – طهران.
وهذا النص يجعل العقل حجة إلهية، لا خصمًا للدين.
وفي نهج البلاغة نجد الإمام علي بن أبي طالب يؤسس لرؤية عقلية عميقة في التوحيد والوجود، ومن كلماته:
«أوّلُ الدين معرفته، وكمالُ معرفته التصديقُ به، وكمالُ التصديق به توحيده».
نهج البلاغة، الخطبة الأولى، تحقيق صبحي الصالح، دار الهجرة – قم، ص39.
وهذا تأسيس معرفي برهاني يبدأ من المعرفة وينتهي إلى التوحيد عبر مسار عقلي متكامل.
كما أن الإمام الرضا عليه السلام اعتمد البرهان العقلي في إثبات الخالق، ومن ذلك احتجاجه القائم على النظام والدقة في الكون، وهي مبادئ عقلية تُعرف في الدراسات الكلامية والفلسفية بـ«برهان النظم». وبرهان " الحدوث " و..
إنّ المشكلة ليست في العقل، بل في توظيفه الخاطئ. وليست في الحكمة، بل في الانفصال عن الوحي واليقين. أمّا العقل المنضبط بالقرآن والبرهان، فهو أداة لفهم الدين، لا للخروج عنه.
فالعقل في الرؤية القرآنية نورٌ وهداية، وبدونه يتحول الإنسان إلى تابعٍ للأوهام والانفعالات والتقليد الأعمى.
ومن هنا، فإنّ تأصيل التفكير العقلي والفلسفي المنضبط، ليس خروجًا عن الدين، بل عودة إلى المنهج القرآني الأصيل الذي جعل البرهان أساسًا للإيمان الواعي.
إخترنا لكم
- ورقة بحثية: الخطاب المنبري من صحة الرواية الى صحة الفهم والتطبيق
- حسينٌ مني وأنا من حسين .. قراءة في الامتداد الرسالي بين رسول الله والحسين عليهم السلام
- ولادة إنسان غَيّر معنى الإنسان ؛ رسول الله صلى الله عليه وآله والتحول الإنساني
- المعجزة وحجية قول النبي صلى الله عليه وآله عند العلّامة الطباطبائي
- العقل العملي في القرآن الكريم ( ندوة فكرية )
- جهاد التبيين وميثم التمّار… الكلمة التي لا تُشترى
- الدين وفهم قراءة الدين… مسافة الوعي والبصيرة
- المرأة والطب؛ رؤية متوازنة بين العفاف وخدمة المجتمع
آخر الأسئلة و الأجوبة
- كيف تفسرون موقف السيدة زينب الذي أسقط النسخة المزيفة للإسلام الأموي؟
- كبار علماء المدرسة السنية يوثقون حديث الغدير
- ماهو رأي علماء السّنة بالمذهب الشيعي ؟
- كيف يحصل لي اليقين القطعي بوجود الله تعالى ؟
- لمن نقرأ في البحوث التفسيرية والعقدية ؟
- ماهي معايير الشيخ الكليني في تعارض الأحاديث
- ما الفرق بين الاحتياط الوجوبي والاستحبابي ، من حيث دلالة الدليل و فعل المكلف
