الناس أعداء ما جهلوا - قراءة في أعظم الحكم الإنسانية
♦️الناس أعداء ما جهلوا
قراءة في أعظم الحكم الإنسانية
▫️ يحيى عبد الحسن هاشم
عبارة: «الناس أعداء ما جهلوا» من أعمق الحكم التي تكشف طبيعة النفس البشرية حين تواجه ما لا تفهمه.
وقد نُسبت إلى الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ، ووردت أيضًا بمعانٍ متقاربة في التراث الفلسفي والإنساني.
هذه الحكمة لا تتحدث عن “العداوة” بمعناها السطحي فقط، وإنما تشير إلى قانون نفسي ومعرفي عميق.
فالإنسان كثيرًا ما يرفض الفكرة قبل أن يفهمها، ويهاجم الشخص قبل أن يدرسه، ويخاف من الشيء لأنه يجهله.
ولهذا ترى في الواقع:
من يعادي الفلسفة- مثلاً - ، لأنه لم يدخل عالمها أصلًا.
ومن يهاجم الدين، لأنه لم يقرأه بعمق.
ومن يرفض العلم، لأنه يهدد الصورة التي اعتادها.
ومن يقاوم التغيير، لأنه يربك منطقه النفسي.
فالجهل لا يبقى حالة معرفية فقط، بل قد يتحول إلى موقف نفسي وعدائي.
ولهذا كان الوعي خطرًا على التعصب، وكانت المعرفة طريقًا لتخفيف الكراهية.
ومن أروع ما في هذه الحكمة أنك حين تتأمل نفسك تجدها صادقة حتى داخليًا؛
فكم فكرة رفضناها أول الأمر، ثم لما فهمناها تبدل موقفنا منها تمامًا.
وكم شخص أسأنا الظن به بسبب صورة ناقصة أو فهم مبتور.
ولهذا فإن النضج العقلي يبدأ من لحظة يقول فيها الإنسان:
“قد أكون لا أفهم بعد… لا أن الفكرة باطلة”.
وقد أشار الفيلسوف سقراط إلى معنى قريب حين جعل بداية الحكمة الاعتراف بالجهل، لأن الإنسان حين يظن أنه يعلم كل شيء يغلق باب الفهم على نفسه.
وفي واقعنا المعاصر تتجلى هذه الحكمة بصورة مرعبة في الإعلام، والخطابات الطائفية، والصراعات الفكرية؛ إذ تُصنع أحيانًا الكراهية عبر صناعة الجهل، أو منع الناس من الفهم العميق للأشياء.
لذلك فالمعرفة هي وسيلة لحماية الإنسان من التحول إلى خصم للحقيقة دون أن يشعر.
وتأسيساً على ما سبق ؛
لنركز في هذه المقالة المختصرة العميقة الغور على حقيقة معرفية ونفسية شديدة الأهمية:
إن النضج العقلي لا يبدأ حين يمتلك الإنسان كثرة المعلومات، بل يبدأ من اللحظة التي يتحرر فيها من وهم امتلاك الحقيقة الكاملة.
فالعقل غير الناضج غالبًا ما يتعامل مع الأفكار الجديدة بمنطق: “أنا لا أفهمها، إذن هي خاطئة”.
بينما العقل الناضج يقول: “قد أكون لا أفهم بعد… لا أن الفكرة باطلة”.
وهنا يكمن الفرق الهائل بين العقل المغلق والعقل الباحث عن الحقيقة.
إن كثيرًا من الصراعات الفكرية، والعداوات النفسية، والتشنجات الاجتماعية، منشؤها أن بعض الناس يجعل من حدود فهمه الشخصي معيارًا للحقيقة نفسها؛ فإذا عجز عن إدراك فكرة، أو استيعاب مشروع، أو فهم شخص، بادر إلى نفيه أو مهاجمته.
وهذا في الحقيقة ليس برهانًا على بطلان الفكرة، بل قد يكون دليلًا على قصور أدوات الفهم، أو ضيق الأفق المعرفي، أو التسرع في إصدار الأحكام.
ولهذا كان التواضع المعرفي من أعظم علامات العقل الكبير؛ لأن الإنسان كلما اتسعت معارفه أدرك حجم ما يجهله.
إن المشكلة ليست في أن الإنسان يجهل، فكلنا نجهل أشياء كثيرة، وإنما المشكلة حين يتحول الجهل إلى يقين متصلب، وإلى رفض وعداء لكل ما لا يدخل ضمن المألوف الذهني.
ومن هنا نفهم عمق الحكمة الخالدة التي تكلمنا عنها سابقاً : “الناس أعداء ما جهلوا”.
فالإنسان قد يعادي فكرة لا لأنه فحصها وأبطلها، بل لأنه لم يفهمها أصلًا.
إن البحث عن الحقيقة يحتاج إلى عقل منفتح، لا إلى عقل متحفز للرفض. ويحتاج إلى شجاعة الاعتراف: “ربما المشكلة في فهمي أنا… لا في الحقيقة نفسها”.
إخترنا لكم
- الناس أعداء ما جهلوا - قراءة في أعظم الحكم الإنسانية
- الفلسفة والحكمة في ميزان النص القرآني والروائي
- الشباب في زمن التفاهة - كرسي فكري اسبوعي
- اُفق المعرفة جامعتنا الفكرية
- الكرسي الاسبوعي الفكري : النص الديني وصناعة المعنى
- حين ينطق الكون: الوعي الكوني… إدراك الوجود في حركته الجوهرية
- الشباب ؛ طاقة التغيير ومفصل النهضة في الرؤية الإسلامية
- الفلسفة؛ تعريفها - موضوعها - غايتها- هدفها
آخر الأسئلة و الأجوبة
- كيف تفسرون مقولة: نصف العلم قول لا أعلم؟
- ماهو رأي علماء السّنة بالمذهب الشيعي ؟
- ماهي المعايير التی یجب أن يتحلى بها الباحث أو الكاتب
- شبهات حول عرض الحديث على القرآن
- هل المهم أن نحفظ القرآن أو نستنطقه ونتدبره
- هناك من يدعي المنافاة بين طول العمر والعادة المطردة لقصر العمر
- ما المقصود بالتعارض البدوي في الروايات الشيعية ؟
