ثنائية العقول المغلقة والعقول الحيّة الحرّة
ثنائية العقول المغلقة والعقول الحيّة الحرّة
▫️د. يحيى عبد الحسن هاشم
تمهيد
ليست أزمة الإنسان المعاصر دائمًا في نقص المعلومات، فالعالم اليوم يغرق بالمعرفة والصور والكتب والخطب و..، ومع ذلك ما زلنا نشهد ضيقًا في الأفق، وتعصبًا في التفكير، وعجزًا عن الإصغاء، ورفضًا لأي مراجعة أو نقد.
وهنا تظهر إشكالية «العقل» لا بوصفه آلة فلسفية، ولا مفهومًا منطقيًا تجريديًا، بل بوصفه طريقةً في النظر إلى الحياة والناس والأفكار.
فهناك عقلٌ حيّ حر:
يسمع ليفهم،
ويتفكر ليصل،
ويراجع نفسه إذا أخطأ،
ولا يخاف من الحقيقة.
وفي المقابل هناك عقلٌ مغلق:
يملك أجوبة جاهزة قبل أن يسمع،
ويرفض كل ما لا يشبهه،
ويظن أن امتلاك المعلومة يعني امتلاك الحقيقة كاملة.
ومن هنا فإن معركة الوعي ليست بين «المتعلمين والجهلاء» فقط، بل أحيانًا بين:
عقلٍ متواضع يبحث،
وعقلٍ متصلّب يظن أنه وصل.
وهنا ينبغي أن نؤصل ما يلي:
أولًا: الدراسة المفاهيمية والتحليلية
1. ما المقصود بالعقل المنغلق؟
العقل المنغلق ليس هو الإنسان قليل العلم بالضرورة، فقد يكون قارئًا أو مثقفًا أو صاحب اختصاص، لكنه:
يرفض المراجعة،
ويخشى النقد،
ويتعامل مع أفكاره كأنها مقدسات شخصية.
إنه عقل لا يرى المعرفة رحلةً، بل يراها نهاية مغلقة.
ولذلك فإن أخطر أنواع الجمود هو الجمود الذي يرتدي ثوب العلم.
كيف يتكوّن الانغلاق الفكري؟
الانغلاق لا يولد فجأة، بل يتشكل عبر تراكمات:
التربية القائمة على الطاعة العمياء،
البيئة التي تعاقب السؤال،
الخوف من الاختلاف،
تضخم الأنا،
الانتماءات الحادة،
تحويل الرأي إلى هوية مقدسة.
ولهذا قد يناقش الإنسان دفاعًا عن ذاته لا دفاعًا عن الحقيقة.
2. الفرق بين الثبات والانغلاق:
وهنا ينبغي التفريق بين أمرين:
فالثبات على المبادئ بعد الوعي والبصيرة قوة.
أما رفض التفكير والمراجعة مطلقًا فليس ثباتًا، بل جمود.
فالإنسان الواعي يمكنه أن يكون ثابتًا في أصوله، ومنفتحًا في فهمه وتحليله وأسلوبه.
ثانيًا: الدراسة التطبيقية
كيف يظهر العقل المنغلق في الواقع؟
1. في الحوار
يحوّل النقاش إلى معركة انتصار لا بحث عن الحقيقة.
فهو لا يُنصت ليفهم، بل ينتظر دوره ليُهاجم.
2. في المجتمع
يرفض أي فكرة جديدة قبل فهمها، فقط لأنها مختلفة عن المألوف.
ولهذا تتعطل كثير من مشاريع الإصلاح بسبب الخوف من كل جديد.
3. في الخطاب الديني
حين يتحول الدين من مشروع هداية ووعي إلى قوالب جامدة تمنع التفكير والتدبر.
مع أن القرآن نفسه دعا إلى:
التفكر،
والتعقل،
والنظر،
والسير في الأرض،
ومراجعة التاريخ والسنن.
4. في مواقع التواصل
حيث أصبحت بعض المنصات تُغذي «الفقاعات الفكرية»، فلا يسمع الإنسان إلا من يشبهه، حتى يظن أن العالم كله نسخة واحدة.
ثالثًا: الجسر الرابط .. كيف نبني عقلًا حيًّا وحراً؟
إن بناء العقل الحي لا يعني الشك المرضي، ولا الذوبان في كل فكرة، وإنما يعني:
الشجاعة في السؤال،
والتواضع أمام الحقيقة،
والتمييز بين المقدس وفهمنا للمقدس،
والقدرة على الإصغاء،
والاعتراف بأن الإنسان قد يخطئ مهما بلغ.
ومن أجمل ما يلخص هذا المعنى قول الإمام علي بن أبي طالب:
«فإنما البصير من سمع فتفكّر، ونظر فأبصر، وانتفع بالعبر، ثم سلك جدداً واضحاً يتجنب فيه الصرعة في المهاوي».
وهذه ليست حكمة أخلاقية فحسب، وإنما مشروعٌ كامل لبناء الوعي الإنساني.
الخاتمة:
إن الأمم لا تسقط فقط بسبب الفقر أو الضعف العسكري، بل قد تسقط حين تفقد القدرة على التفكير الحر، والحوار، والنقد، ومراجعة الذات.
فالعقل المغلق قد يعيش وسط آلاف الكتب، لكنه يبقى أسيرًا لنفسه.
أما العقل الحي، فهو الذي يبقى متعلمًا مهما تقدّم به العمر، لأن الحقيقة عنده أكبر من الأنا، وأوسع من التعصب، وأعمق من العادة.
إخترنا لكم
- ثنائية العقول المغلقة والعقول الحيّة الحرّة
- ضمن مشروع افق المعرفة - قراءة الكتب وتلخيص أفكارها
- خطرُ الفتوى بغير علم
- المرأة العاقلة الرشيدة في ضوء القرآن الكريم - مقاربات تحليلية
- مذهب الربوبية - عرضٌ وتحليل نقدي في ضوء العقل والوحي
- مشروع البصيرة " افق المعرفة ، صناعة الوعي"
- العزوف عن الزواج في عصر التفاهة - قراءة في الأسباب والآثار والمعالجات
- طلب العلم لا عمرَ له
آخر الأسئلة و الأجوبة
- كيف نفهم التجديد والحداثة وما هي قراءتكم له ؟
- هلاّ ارشدتني إلى كتب استطيع من خلالها الإلمام بعلم الجرح والتعديل
- كبار علماء المدرسة السنية يوثقون حديث الغدير
- ماهي نصيحتكم لنا في قراءة البحوث القرآنية والعقدية ورد الشبهات؟
- لمن نقرأ في البحوث التفسيرية والعقدية ؟
- كيف تفسرون مقولة: نصف العلم قول لا أعلم؟
- ما هو الكتاب المهم في رد الإلحاد المعاصر
