جهاد التبيين وميثم التمّار… الكلمة التي لا تُشترى
جهاد التبيين وميثم التمّار… الكلمة التي لا تُشترى
▫️د. يحيى عبد الحسن هاشم
حين يتحدث القرآن الكريم عن الصراع بين الحق والباطل، فإنه لا يقدّمه بوصفه صراع سيوفٍ فقط، وإنما صراع وعيٍ وموقفٍ وكلمة.
فكم من أمةٍ سقطت لأن أهل الحق صمتوا، وكم من باطلٍ تمدّد لأن أصوات الحقيقة خافت أو تراجعت.
لقد أسّس القرآن لثقافة “جهاد التبيين” بوصفها مسؤولية أخلاقية وعقدية، تقوم على كشف الحقيقة وعدم كتمانها مهما كانت التضحيات.
قال تعالى:
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾
سورة آل عمران: 187.
فالقرآن لا يكتفي بالإيمان الداخلي، بل يريد من الإنسان أن يتحول إلى شاهدٍ على الحق، ومبلّغٍ له، ومدافعٍ عنه في الساحة الاجتماعية والسياسية والأخلاقية.
وقال تعالى:
﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾
سورة الأحزاب: 39.
هذه الآية ترسم ملامح الإنسان الرسالي الذي لا تشتريه السلطة، ولا يخيفه السجن، ولا تغيّره التهديدات.
وهنا تتجلّى شخصية الصحابي العظيم ميثم التمار بوصفه نموذجًا خالدًا لجهاد التبيين.
كان ميثم رجلاً بسيطًا في الظاهر، يبيع التمر في سوق الكوفة، لكنّه كان يحمل وعيًا يفوق وعي الملوك والساسة.
ربّاه الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام على الصدق والبصيرة والثبات، حتى صار من أكثر الناس معرفةً بمقامات أهل البيت عليهم السلام وبحقيقة الانحراف الأموي.
وكان يقول بيقين العارف الواثق:
«والله ما أخبرني أمير المؤمنين بشيءٍ إلا وقد رأيته.»
لم يكن ميثم خطيبًا يبحث عن الشهرة، وإنما كان صاحب موقف. كان يرى أنّ السكوت عن تحريف الحق خيانة، وأنّ العالِم إذا خاف ضاع الناس.
لذلك وقف في مجتمعٍ مليءٍ بالخوف والتضليل ليعلن ولاءه للحق بلا تردد.
ومن أعظم مواقفه الاجتماعية أنّه كان يجلس في الأسواق وبين الناس يحدّثهم بفضائل أمير المؤمنين عليه السلام، رغم أنّ السلطة الأموية كانت تعتبر ذلك جريمة سياسية. لقد فهم ميثم أنّ المعركة الحقيقية هي معركة وعي، وأنّ الأمة إذا فقدت البصيرة ضاعت مهما امتلكت من القوة.
وكان يردّد كلماتٍ تختصر فلسفته في الحياة:
«كم من آكلٍ يمنعه شِبَعُه من كثيرٍ من العمل للآخرة.»
والنصوص الحديثية تنقل لنا أنّ ميثم كان يحدّث الناس بما سمعه من الإمام علي عليه السلام حول مستقبل الأمة والانحراف القادم، حتى صار اسمه مرعبًا للسلطة؛ لأنّ الكلمة الواعية أخطر من السيف أحيانًا.
ولم يكن جهاده سياسيًا فقط، بل أخلاقيًا أيضًا. فقد كان نموذجًا للإنسان الذي لا يفصل بين العقيدة والسلوك. فالثبات عنده لم يكن شعارًا، بل ممارسة يومية.
ولذلك حين اعتقله عبيد الله بن زياد حاول أن يساومه على البراءة من الإمام علي عليه السلام، لكنه رفض رغم علمه أنّ الثمن سيكون القتل.
وهنا تتجلّى عظمة المبدأ.
فالإنسان العادي قد يتراجع حين يرى الموت أمامه، لكن ميثم كان يرى أنّ خسارة الموقف أشدّ من خسارة الحياة نفسها.
وحين كان على خشبة الصلب قال بثبات المؤمن:
«هذا ما وعدني به سيدي أمير المؤمنين.»
وتذكر المصادر التاريخية أنّ ميثم التمار بقي حتى وهو مصلوب يحدّث الناس بفضائل أهل البيت، ويكشف ظلم بني أمية، فخافت السلطة من تأثير كلماته، فأمروا بلجمه؛ أي وضعوا اللجام في فمه حتى لا يتكلم.
رجلٌ مصلوب، ينزف، لكنّه لا يزال يجاهد ويبيّن بالكلمة.
لقد فهم ميثم أنّ الكلمة الصادقة قد تهزم إمبراطورية كاملة، وأنّ أخطر ما يصيب المجتمعات هو موت الضمير وسكوت أهل الحقيقة.
إنّ حقيقة جهاد التبيين هي أن تدفع ثمن الحقيقة حين يخاف الآخرون، وأن تبقى مع الحق حين يصبح الوقوف معه مكلفًا.
ولهذا كان ميثم مدرسةً في الوعي لا مجرد شخصية تاريخية.
لقد علّمنا أنّ الإنسان قد يُقتل، لكن الموقف لا يموت. وأنّ الأمة التي تمتلك رجالًا كميثم لا يمكن أن تُهزم روحيًا مهما اشتدت عليها المحن.
واليوم، نحن أحوج ما نكون إلى استعادة هذه الروح؛ روح الإنسان الذي لا يبيع ضميره للإعلام، ولا يغيّر مبادئه خوفًا من السلطة، أو اتباعًا للمصالح الضيقة التي تزول بزوال أصحابها.
فجهاد التبيين يبدأ حين يتحول الإنسان إلى شاهدٍ للحق، لا تابعٍ للمنافع والمصالح أو للعقل الجمعي.
﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾
سورة الإسراء: 81.
وفي ختام الحديث عن هذا الرجل العظيم، ندرك أنّ ميثم التمّار لم يكن مجرد شخصيةٍ عابرة في التاريخ، وإنما كان مشروع وعيٍ وبصيرة وموقفٍ وثبات.
لقد جسّد معنى الإنسان الذي انتصر للحقيقة حتى اللحظة الأخيرة، ولم يسمح للخوف أن يهزم ضميره أو أن يطفئ نور الكلمة التي حملها مع أمير المؤمنين علي عليه السلام.
لقد أراد الطغاة أن يجعلوا من صلبه نهايةً لصوته، فإذا به يتحول إلى رمزٍ خالدٍ لجهاد التبيين، وإلى مدرسةٍ يتعلّم منها الأحرار كيف يكون الثبات على الحق مهما اشتدت التضحيات.
رحم الله ميثم التمّار، يوم عاش صادقًا مع الله، ويوم جاهد بالكلمة والموقف، ويوم استشهد ثابتًا لا يساوم على الحق، ويوم يُبعث حيًّا مع محمدٍ وآل محمد عليهم السلام.
سلامٌ على روحه الطاهرة، وعلى كل من حمل راية الحقيقة ولم يبعها لمصلحةٍ أو خوف.
راجع المصادر التالية:
اختيار معرفة الرجال، تعليق حسن المصطفوي، مؤسسة آل البيت، قم، ج1.
بحار الأنوار، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج42، ص126 وما بعدها.
الإرشاد، مؤسسة آل البيت، قم، ج1، ص323.
تحميل الملفإخترنا لكم
- جهاد التبيين وميثم التمّار… الكلمة التي لا تُشترى
- الدين وفهم قراءة الدين… مسافة الوعي والبصيرة
- المرأة والطب؛ رؤية متوازنة بين العفاف وخدمة المجتمع
- حديث الغدير ؛ قراءة في دلالته السياقية والعقلائية
- ثنائية العقول المغلقة والعقول الحيّة الحرّة
- ضمن مشروع افق المعرفة - قراءة الكتب وتلخيص أفكارها
- خطرُ الفتوى بغير علم
- المرأة العاقلة الرشيدة في ضوء القرآن الكريم - مقاربات تحليلية
آخر الأسئلة و الأجوبة
- هل المهم أن نحفظ القرآن أو نستنطقه ونتدبره
- لمن نقرأ في البحوث التفسيرية والعقدية ؟
- الاقتران بين الحب للعترة الطاهرة والعمل هما المنجيان
- ماهو المراد من هذه العبارة : الجرح امر وجودي والتعديل عدمي
- شبهات حول عرض الحديث على القرآن
- لايزال ذم المرأة في عصر الحداثة وكونها ناقصة العقل ..كيف تردون على ذلك ؟
- ماهي نصيحتكم لنا في قراءة البحوث القرآنية والعقدية ورد الشبهات؟
