قانون سقوط الدول عند الإمام علي عليه السلام في عهده لمالك الأشتر!!.
♦️قانون سقوط الدول عند الإمام علي عليه السلام في عهده لمالك الأشتر!!.
▫️د. يحيى عبدالحسن هاشم
#تمهيد
ليست مشكلة الأمم دائماً في قلة الثروات أو ضعف الإمكانات، فكثير من البلدان تمتلك خيرات عظيمة لكنها تعيش الفقر والانهيار والاضطراب.
والسبب الحقيقي في أغلب الأحيان هو فساد الإدارة، وطغيان المصالح الشخصية، وتحول السلطة من مسؤولية أخلاقية إلى وسيلةٍ للهيمنة والثراء.
ومن أعمق النصوص التي شخّصت هذه الحقيقة بدقة ما ورد في عهد الإمام علي عليه السلام إلى مالك الأشتر، وهو من أعظم النصوص السياسية والإدارية في التراث الإسلامي، حين قال:
#وَإِنَّمَا يُؤْتَى خَرَابُ الْأَرْضِ مِنْ إِعْوَازِ أَهْلِهَا، وَإِنَّمَا يُعْوِزُ أَهْلُهَا لِإِشْرَافِ أَنْفُسِ الْوُلَاةِ عَلَى الْجَمْعِ، وَسُوءِ ظَنِّهِمْ بِالْبَقَاءِ، وَقِلَّةِ انْتِفَاعِهِمْ بِالْعِبَرِ».
وهو نصٌّ لا يتحدث عن زمانٍ محدد، بل يكشف قانوناً تاريخياً واجتماعياً يتكرر كلما انفصلت السلطة الحاكمة عن مجتمعها وشعبها لأسباب نبينها في طيات هذا النص الشريف.
#شرح وبيان أبعاد النص
#أولاً: «وَإِنَّمَا يُؤْتَى خَرَابُ الْأَرْضِ مِنْ إِعْوَازِ أَهْلِهَا»
الإمام عليه السلام لا يعرّف خراب الأوطان بسقوط الأبنية أو تدمير المدن فقط، وإنما يربطه بإعواز الناس وفقرهم وحاجتهم. فحين يفقد المواطن قدرته على العيش الكريم، ويُرهق بالبطالة والحرمان والقلق وانعدام العدالة، يبدأ الخراب الحقيقي وإن بقيت المظاهر قائمة.
فالبلاد لا تُبنى بالإسمنت وحده، وإنما تُبنى بكرامة الإنسان وعدالة النظام واطمئنان المجتمع.
ولهذا فإن أخطر مؤشر على فشل أي تجربة سياسية هو اتساع الفجوة بين الحاكم والمحكوم، وتحول الشعب إلى طبقة مسحوقة تعيش الإحباط وفقدان الأمل.
#ثانياً: «وَإِنَّمَا يُعْوِزُ أَهْلُهَا لِإِشْرَافِ أَنْفُسِ الْوُلَاةِ عَلَى الْجَمْعِ»
هنا يكشف الإمام أصل الداء؛ فالفقر ليس دائماً نتيجة قلة الموارد، وربما قد يكون نتيجة جشع الطبقة الحاكمة، وهذا ما يؤكده هذا الخطاب.
ومعنى «إشراف أنفس الولاة على الجمع» أي تعلق نفوسهم بجمع الأموال والمكاسب والمنافع والنفوذ، حتى تصبح الدولة وسيلةً للإثراء لا لخدمة الناس.
وحين تتحول المناصب إلى غنائم:
تُنهب الثروات،
تُعطَّل الكفاءات،
تُقدَّم المصالح الحزبية والشخصية،
وتصبح معاناة الناس مجرد أرقام في التقارير.
وهنا يبدأ التآكل الداخلي للدولة، لأن السلطة تفقد بعدها الأخلاقي وتتحول إلى مشروع منفعة.
#ثالثاً: «وَسُوءِ ظَنِّهِمْ بِالْبَقَاءِ»
هذه العبارة من أعمق وأخطر - لنركز عليها كثيراً- ما قيل في تحليل السلوك السياسي.
فالإمام عليه السلام يبين أن بعض المسؤولين لا يثقون ببقائهم في السلطة، لذلك يسارعون إلى استغلال الفرصة قبل زوالها، وكأنهم يعيشون عقلية:
“اجمع ما تستطيع قبل أن تُسحب منك السلطة”.
ولهذا تنتشر:
الصفقات،
والمحسوبيات،
والاستحواذ على المال العام،
والسعي لتأمين النفوذ الشخصي.
وقد أشار ابن أبي الحديد إلى هذا المعنى في شرحه، فذكر احتمالين:
أنهم يظنون طول البقاء فيغفلون عن الموت والزوال.
أو أنهم يخشون العزل وفقدان السلطة، فينتهزون الفرص لجمع الأموال دون الاهتمام بعمارة البلاد.
والاحتمال الثاني يكاد يكون وصفاً دقيقاً لكثير من الأزمات السياسية المعاصرة.
#رابعاً: «وَقِلَّةِ انْتِفَاعِهِمْ بِالْعِبَرِ»
التاريخ مليء بالدروس:
كم من حكومات سقطت بسبب الظلم،
وكم من أنظمة انهارت بسبب الفساد،
وكم من مسؤولين ظنوا أن السلطة دائمة ثم اختفوا في لحظة.
لكن المشكلة أن بعض الساسة لا يقرأ التاريخ إلا بوصفه حكايات، لا قوانين وسنناً حاكمة، وهذا ما نركز عليه دائماً في مشروعنا افق المعرفة صناعة الوعي.
وهؤلاء أي هذه الطبقة السياسية لو انتفعوا بالعبر لأدركوا أن:
بقاء الدول مرتبط بعدالتها،
وأن الظلم مهما طال عمره فهو يحمل بذور سقوطه،
وأن الشعوب قد تصبر طويلاً لكنها حين تفقد الثقة يصعب استعادتها.
#النتيجة
إن هذه الحكمة والنص العلوي هي نظرية متكاملة في فهم خراب وسقوط الدول وانهيارها.
فالخراب يبدأ حين:
تُقدَّم المصالح الخاصة على المصلحة العامة،
ويصبح المنصب وسيلةً للثراء،
وتُفقد العدالة،
ويُهمَل الإنسان،
وتُستهان معاناة الناس.
وعندها تدخل الدولة مرحلة الاستنزاف البطيء حتى وإن بدت مستقرة ظاهرياً.
إخترنا لكم
- كتاب الشفاء ..قراءة معاصرة في البنية الفلسفية لابن سينا
- حدود العمل وسعة الرحمة الإلهية في المصير الأخروي
- قانون سقوط الدول عند الإمام علي عليه السلام في عهده لمالك الأشتر!!.
- العقلانية والتأييد الإلهي في حركة الإمام المهدي (ع)
- إشكالية التوقيت للظهور المهدوي؛ الخلل المنهجي في اعتماد ما لا أصل له
- المعالجة التأصيلية للذنب في المنظور القرآني والنفسي
- أنماط العقول ! قراءة معرفية في تصنيفات الشهيد المطهري
- الناس أعداء ما جهلوا - قراءة في أعظم الحكم الإنسانية
آخر الأسئلة و الأجوبة
- ما هو التعريف الدقيق لمفهوم فلسفة الدين، وما هو المراد من الدين ؟
- هناك من يدعي المنافاة بين طول العمر والعادة المطردة لقصر العمر
- هل من ترك زيارة الحسين (ع ) من غير علة يستحق الدخول في النار؟
- ماهي معايير الشيخ الكليني في تعارض الأحاديث
- متى نرى فقه الواقع أحكاماً وعقائداً ؟
- كيف نتعامل مع الإشاعة وما هي الطرق لمواجهتها
- هل توجد قواسم مشتركة لتوحيد كلمة المسلمين ولاسيما في هذا الظرف الدقيق والحساس
