كيف يحصل لي اليقين القطعي بوجود الله تعالى ؟
كيف يحصل لي اليقين القطعي بوجود الله تعالى ؟
الجواب :
لعل الطريق الأول في حصول الاطمئنان واليقين في النفس هو إعمال ملكة العقل ، فلو سألنا أنفسنا وتأملنا ودققنا ، لما تردد عقلي في أن لهذا الكون خالقا ومدبراً . وقد طرحت أدلة عقلية تثبت ذلك ، من قبيل الحدوث والامكان والنظم .. وهذه أدلت اًشبعث بحثاً ، ولكننا سوف نركز على دليل مهم ومقنع وهو دليل العلية ، وأيضا ننتقل الى الطريق الثاني هو ذكر بعض النصوص الروائية التي تثبت ذلك بأدنى تأمل بحيث يزول الشك شيئا فشيئاً ..
فلو تأملنا منصفين في هذا العالم بسماواته وأرضه ومجراته وانسانه وحيوانه وبحره وو.. وتساءلنا في خلجات أنفسنا وقلنا : هل أن هذا العالم وهذه الموجودات هل أن وجودها قائم بدون علّة أو لا ؟
وهل أن وجوده جاء صدفة واتفاقا بقدرة قادر وبدون مقدمات ؟
ولكن عقلي يلومني ويقول فرضك الثاني باطل قطعا، فنسأله لماذا الصدفة باطلة ؟
يجيبني ببداهة ؛ لأنّ الحادث إن لم يحتجّ إلى علّة فانّ كلّ موجود يجب أن يوجد في كلّ زمان وفي كل ظرف . في حين نرى بوضوح أنّ الأمر ليس كذلك، حيث يحتاج كلّ حادث لحدوثه إلى توفّر الشرائط والظروف الموضوعية والخاصّة، وهذا ما تثبته الحواس والتجربة .
وننتقل الى سؤآل آخر : لم لا نفترض كون الشيء نفسه هو علّة لوجوده ؟ أي أن العلة هي التي أوجدت نفسها بنفسها ؟
هنا عقلي يردعني بقوله أن هذا الفرض باطل جزماً؛ لأنّ العلّة والسبب يجب أن تكون قبل المعلول . ولو كان الشيء علّة لنفسه، فلابدّ أن يكون موجوداً قبل وجوده، وهذا ممّا يستلزم اجتماع النقيضين، وهذا قانون متفق عليه فالوجود والعدم في آن واحد لايمكن فرضه ، وبالتالي نقع في الدور.
إذن لابدّ من انتهاء سلسلة العلل والمعلولات إلى موجود مستقلّ وغني، وجوده غني من ذاته، أزلي مطلق لا متناهي وهو الله تعالى.
ولكن قد يراودني عقلي بفرض سؤآل آخر . فلم لا نقول بالمادة والطبيعة الأزلية هي من أوجدتني وأوجدت هذه الكون ؟
ولكن يعود عقلي ليرفض هذا الإحتمال؛ لأنه لايوجد دليل قطعي على صحته، فالعلوم التجربية الحسيّة تثبت عكس ذلك .
ولذلك نجد الدكتور (ادوارد لوتركسيل) يثبت بطلان هذه الفرضية بقوله : أن الحرارة طبقاً لقانون (انتروبي) تسري دائماً من الأجسام الحارة إلى الأجسام الباردة، وهذا السريان لا يحدث بنفسه بشكل معكوس.. فلو كان الكون أزلياً لكانت حرارة جميع الأجسام قد صارت متساويةً منذ زمن بعيد ،ولما بقي قوةٌ يمكن الاستفادة منها، ولكننا نرى أن التفاعلات الكيميائية ما زالت مستمرة والحياة على الأرض ممكنة. فالعلوم تثبت بشكل طبيعي أن الكون له بداية، وتثبت ضرورة وجود خالق له، فالحادث لا يمكن أن يحدث بنفسه .
ونفس هذا السؤال نجده قد طرح على الإمام الصادق ، فلم لا تكون الطبيعة هي أن أوجدت هذا الكون عندما سأله المفضل ، بقوله :
يا مولاي إن قوماً يزعمون أن هذا من فعل الطبيعة؟
فقال عليه السلام: سلهم عن هذه الطبيعة أهي شيء له علم وقدرة على مثل هذه الأفعال أم ليست كذلك؟ فإن أوجبوا لها العلم والقدرة فما يمنعهم من إثبات الخالق، فإن هذه صنعته، وإن زعموا أنها تفعل هذه الأفعال بغير علم ولا عمد وكان في أفعالها ما قد تراه من الصواب والحكمة، علم أن هذا الفعل للخالق الحكيم، وإن الذي سموه طبيعة هو سنَّة في خلقه جارية على ما أجراها عليه.
ودلالة هذا الحديث أن هذه الطبيعة العمياء ليس لها علم وقدرة وهذا نفهمه من خلال عقولنا فكيف تكون هي الموجدة لهذا الكون بهذه الدقة والتعقيد .. وهذه الصنعة لو انتفت عن الطبيعة فلا بد لها من عالم قادر حكيم وما ذلك سوى الله تعالى .
والقرآن الكريم يخاطب تلك العقول التي لاتريد الإذعان بكلام عقلي لعلهم يعودوا لفطرتهم ويذعنوا للحق، وذلك في قوله تبارك وتعالى ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيرِ شَيءٍ أمْ هُمُ الخَالِقُونَ، أمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ والأرضَ بَل لاَّ يُوقِنُون﴾ .
وما أروع قول علي عليه السلام : بصنع اللَّه يستدل عليه وبالعقول نعتقد معرفته وبالتفكر تثبت حجته.
ثم يعطي مثالاً تطبيقياً ليقربه للأذهان، قال عليه السلام: ألَا يَنْظُرُونَ إِلَى صَغِيرِ مَا خَلَقَ كَيْفَ أَحْكَمَ خَلْقَهُ - وأَتْقَنَ تَرْكِيبَهُ وفَلَقَ لَهُ السَّمْعَ والْبَصَرَ - وسَوَّى لَهُ الْعَظْمَ والْبَشَرَ؟ انْظُرُوا إِلَى النَّمْلَةِ فِي صِغَرِ جُثَّتِهَا ولَطَافَةِ هَيْئَتِهَا - لَا تَكَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ الْبَصَرِ ولَا بِمُسْتَدْرَكِ الْفِكَرِ - كَيْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا وصُبَّتْ عَلَى رِزْقِهَا - تَنْقُلُ الْحَبَّةَ إِلَى جُحْرِهَا وتُعِدُّهَا فِي مُسْتَقَرِّهَا .. الخ .
إذن في نهاية جولتنا هذه لابد من علة وسبب لوجودهم ولهذا الكون وهذا ما قررناه آنفاً في دليل العلية الذي لا يمكن للنفس إلا أن تقر به وتطمئن وتتيقن به .
إخترنا لكم
- ظاهرة الغلو في الدين .. مقاربات ومعالجات
- تكريمنا في المهرجان العالمي البحثي لاسبوع التحقيق السنوي
- رويكردى نو حديث غدير ( مقاربة جديدة في حديث الغدير )
- قناة كنوز المعرفة / قناة فكرية تخاطب العقل الإنساني الواعي
- تطبيق " صدرنا " كتب وبحوث المفكر الإسلامي محمدباقر الصدر
- صدور كتاب النظرية المهدوية في واقعها العقلي والروائي
- العلم الإجمالي وتطبيقاته على النصوص الحديثية والكلامية
- دراسة حديثة تتناول مناهج المحدثين في التشدد والتساهل والاعتدال وانعكاسه على التراث الحديثي
آخر الأسئلة و الأجوبة
- ما صحة هذا القول : إنّ الشيعة لا يحتاجون لعلم الجرح والتعديل؛ لان عندهم المعصوم
- حلاوة وزينة ذكر علي عليه السلام
- مخطط تفصيلي لخريطة ومشجرة تقسيم الخبر
- كبار علماء المدرسة السنية يوثقون حديث الغدير
- هل من ترك زيارة الحسين (ع ) من غير علة يستحق الدخول في النار؟
- ما الفرق بين الاحتياط الوجوبي والاستحبابي ، من حيث دلالة الدليل و فعل المكلف
- الاقتران بين الحب للعترة الطاهرة والعمل هما المنجيان