نظرية المعرفة في فلسفة الشهيد محمد باقر الصدر
نظرية المعرفة في فلسفة الشهيد محمد باقر الصدر
*الدكتورة عائشة يوسف المنّاعي
في هذه الدراسة التي تدور حول (نظرية المعرفة في فكر باقر الصدر) سنحاول اقتفاء أثره في تصنيفه لعناصر نظرية المعرفة، ونستعرض معه أهم المذاهب والاتجاهات في تلك النظرية، لنصل معه إلى خلاصة رأيه وأطروحته.
المبحث الأول: المصدر الأساسي للمعرفة
يعدّ المصدر الأساسي للمعرفة أو للإدراك من أهم الموضوعات التي ثارت حولها مناقشات كثيرة وشديدة في الفلسفة قديماً وحديثاً؛ ولذلك لم يكن لباقر الصدر بدّ من استعراض تلك الفلسفات في إطار تقسيمه للإدراك إلى تصور وهو الإدراك الساذج، وتصديق وهو الإدراك المنطوي على حكم (فالتصور كتصورنا لمعنى الحرارة أو النور أو الصوت، والتصديق كتصديقنا بأن الحرارة طاقة مستوردة من الشمس، وأن الشمس أنور من القمر وأن الذرة قابلة للإنفجار).[24]
وبناء على التفرقة بين هذين الإدراكين يستعرض الصدر الفلسفات النظرية التي عالجت هذين الإدراكين من حيث تصورهما ومصدرهما الأساسي:
أولاً: التصور ومصدره الأساسي
ويعني الصدر بالمصدر الأساسي (المصدر الحقيقي للتصورات والإدراكات البسيطة)[25] لأن التصورات على قسمين (أحدهما المعاني التصورية البسيطة كمعاني الوجود والوحدة والحرارة والبياض.. والقسم الآخر المعاني المركبة، أي التصورات الناتجة عن الجمع بين تلك التصورات البسيطة)[26]، فهذه التصورات لابد أن يكون لها مصدر تستقي منه مفاهيمها، ومن هنا كان لابد للصدر من أن يعرض لأهم النظريات التي أخذت على عاتقها بيان هذا المصدر وطبيعته، من هذه النظريات:
١. نظرية الاستذكار الأفلاطونية: التي تقوم على استذكار النفس للمعلومات السابقة التي كانت قد عرفتها في عالمها السابق في تجردها، وقبل هبوطها إلى عالم الأبدان والأجسام، واستذكارها لما أدركته من حقائق مجردة ثابتة في ذلك العالم الذي سماه أفلاطون (عالم المثل) فهذه النظرية ترى أن النفس في عالم المادة (تسترجع إدراكاتها بصورة مفاهيم كلية. وعلى ذلك فليس لأدوات المعرفة دور سوى إلفات النفس إلى العالم الذي هبطت منه لتستذكر ما كانت قد نسيته).[27]
وقد انتقد باقر الصدر تلك النظرية سواء في شقها المتعلق بوجود النفس قبل هبوطها إلى البدن ۔في عالم أعلى وأسمى من وجود العالم المادي۔ أو في شقها المتعلق بإدراك النفس للحقائق المجردة أو (المثل) وأن العلم والمعرفة هو عبارة عن هذا الإدراك.[28]
٢. النظريات العقلية: وتعود لكبار فلاسفة أوروبا مثل ديكارت وكانت وغيرهما.
وتتلخص في الاعتقاد بوجود منبعين للتصورات: أحدهما الحس والآخر الفطرة، بمعنى أن الذهن البشري يملك معاني وتصورات لم تنبثق عن الحس، وإنما هي ثابتة في صميم الفطرة. والنفس تستنبط من ذاتها.
ولم تسلم تلك النظرية ۔أيضاً۔ من تفنيد السيد باقر الصدر، ولكن يثبتها بنظرته الخاصة المنبثقة من القرآن الكريم، وذلك حين يقرر أن هذه النظرية يمكن أن يرد عليها اعتراض علمي يتمثل في الرجوع بالإدراك إلى طبيعة حسية، وحينئذ تفقد هذه النظرية كل مبرراتها في جعل بعض الإدراكات فطرة في النفس.. واعتراض فلسفي مؤداه أن هذه النظرية لا تفسر لنا صدور التصورات الكثيرة أو اللانهائية عن النفس كمصدر بسيط لا كثرة فيه.. ويرى السيد الصدر أننا لو فسرنا هذه النظرية بإثبات الأفكار الفطرية التي تكون كامنة في (النفس) بالقوة، والتي تخرج إلى الفعل بعد ذلك بسبب (تطور النفس وتكاملها شعورياً، كما يشير إليه قوله تعالى: <وَ اللّٰهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهٰاتِكُمْ..> إلى آخر الآية الكريمة) فسوف تثبت هذه النظرية العقلية وتسلم من الاعتراضين العلمي والفلسفي، وما يحسب للشهيد الصدر في فلسفته أنه أعاد أساس هذه النظرية من منظور إسلامي لولاه لفقدت هذه النظرية تماسكها الداخلي وبناءها المنطقي.
٣. النظرية الحسية: وتقوم على الاعتقاد بأن المصدر الوحيد الذي يمد الذهن ويموّنه بالتصورات والمعاني هو الحس. أما القوة الذهنية فهي القوة العاكسة للإحساسات المختلفة في الذهن، والذهن ليس له إلا التصرف في صور المعاني المحسوسة بالتركيب أو التجزئة أو التجريد والتعميم.
وهذه النظرية نشأت كردّ فعل لنظرية الأفكار الفطرية التي مثّلها الفيلسوف الفرنسي (ديكارت)، وأول من تبنى النظرية الحسية ۔في المعرفة۔ الفيلسوف الإنجليزي جون لوك، الذي قضى ۔إلى حد ما۔ على نظرية الأفكار الفطرية، واقتفى أثره بعد ذلك وواصل مهمته وطوّر من نظريته الحسية هذه طائفة من الفلاسفة الإنجليز في مقدمتهم الفيلسوفان باركلي وديفيد هيوم.. ويشير الأستاذ الشهيد إلى أن الفلسفة الماركسية تلقفت هذه النظرية الحسية وتبنتها واعتمدت عليها في نظريتها التي تقرر أن كل إدراكاتنا وشعورنا ليس إلا انعكاسات للواقع الحسي الموضوعي بصورة أو بأخرى.[29]
وقد عرض نصوصاً لأئمة الفلسفة الماركسية تصور مذهبهم المادي في المعرفة.. ثم بيّن أن النظرية الحسية تركّز على التجربة وتتخذ منها برهاناً على ما تقرره في نظرتها الحسية، مع أن التجربة تدل على أن الإحساس ينبوع أساس في التصورات، وأنه بدونه لا توجد تصورات في الذهن البشري، لكن التجربة لا تنفي قدرة الذهن على توليد معان وتصورات جديدة ليست مدركة بالحواس، وإن كانت تستمد عناصرها من الحس.
فالتجربة وإن كانت تثبت أهمية الحس في الإدراكات إلا أنها لا تجرد الذهن عن فاعليته في ابتكار تصورات جديدة مخترعة.. ويضرب السيد الصدر مثلاً لهذه الإدراكات مفاهيم ذهنية من قبيل: العلة والمعلول والعرض والإمكان والوجوب والوحدة والكثرة…
ففي مثال العلية يرصد الحس ظاهرتين متعاقبتين، أما ما بينهما من تأثير وتأثر فهو معنى لا يعود إلى الحس من قريب أو من بعيد، بل هو أمر ذهني خالص.. وبهذا تفلس النظرية الحسية، وتعجز عن تقديم تفسير صحيح لإدراكات عديدة لا تستمد من الحس ولا ترصدها الحواس.[30]
وللبحث صلة ...
يمكن للقاريء تحمّيل المقالة
تحميل الملفإخترنا لكم
- ظاهرة الغلو في الدين .. مقاربات ومعالجات
- تكريمنا في المهرجان العالمي البحثي لاسبوع التحقيق السنوي
- رويكردى نو حديث غدير ( مقاربة جديدة في حديث الغدير )
- قناة كنوز المعرفة / قناة فكرية تخاطب العقل الإنساني الواعي
- تطبيق " صدرنا " كتب وبحوث المفكر الإسلامي محمدباقر الصدر
- صدور كتاب النظرية المهدوية في واقعها العقلي والروائي
- العلم الإجمالي وتطبيقاته على النصوص الحديثية والكلامية
- دراسة حديثة تتناول مناهج المحدثين في التشدد والتساهل والاعتدال وانعكاسه على التراث الحديثي
آخر الأسئلة و الأجوبة
- هل المهم أن نحفظ القرآن أو نستنطقه ونتدبره
- لماذا يتأوه أمير المؤمنين من قلة الزاد ووحشة الطريق ؟
- ما هو المراد من القضية المهملة؟
- كيف تفسرون موقف السيدة زينب الذي أسقط النسخة المزيفة للإسلام الأموي؟
- ماهو المراد من هذه العبارة : الجرح امر وجودي والتعديل عدمي
- هل توجد آية قرآنية صريحة في ولاية علي عليه السلام؟
- كيف لي أن أتقبل النقد ؟ وهل النقد حالة صحيّة ؟