المثقف ووعي التراث ؛ إضاءة حول ما كتبه د. علي المؤمن
عندما أقرأ لكتب السيد علي المؤمن أجدها تلامس الواقع، وتجد في نفس الوقت الواقعية فيما يؤصل له من علم ونقد.
وأيضًا تخلو كلماته من التعقيد بل تجده يوضّح العبارة بلا تقليد أو استعارة لمفاهيم غربية أو غير ذلك، يتكلم بلغتنا العربية الشاملة بفصاحتها وقواعدها وبلاغتها وأوزانها، فهي لغة القرآن الكريم المفعمة بكل ما هو جديد لا يبلى أبدًا والتي تمتلك تعابير شتى فمجاز وكناية واستعارة و.. فهي اللسان العربي المبين . ولعل من أجمل خصائصها كما يصفها البعض؛ بكونها تتميز بثراء رصيدها من الكلمات و المفردات والصيغ ، وهي لغة متميزة من الناحية الصوتية ، فقد اشتملت على جميع الأصوات التي اشتملت عليها اللغات السامية الأخرى .
كما تتميز بمجموعة من الخصائص ، فهي لغة مرنة، حيث تستوعب جميع الألفاظ المشتقة والمترادفة وتضع لكل مقام مقال . وهذا الأمر نجده في مفردات وصيغ السيد الشهيد محمد باقر الصدر، فتجد سهولة العبارة وجمال المنطق، وينسحب الحال على تلميذه النابه ( ذو نباهة ) السيد عمار أبو رغيف ..
هي لغة بالفعل تحتاج حبنا لها، ومن المهم أن نُعلّم ابناءنا حب لغتهم، فهذه مسؤليتنا أولًا وآخرًا .
والمهم في الأمر أننا نجد فيما يكتب أن نظرته معتدلة لا سيما في مسألة التراث، وما نجده اليوم من استلاب للوعي والتأثر بكل ما هو جديد، بلا تمييز وتشخيص وتفكيك للأمور ولا سيما ما هو ثابت وما هو متغير ، والإدراك المتوازن لفهم طبيعة النصوص . اترك القارىء مع مقالة مختصرة في هذا المجال. لعله بلغة الفيس فيه إطالة ولكنه مهم وضروي أن نطالعه بإمعان وروية .
✓ المثقف ووعي التراث
#علي_المؤمن
يواجَه المثقف الإسلامي باتهامين متناقضين في إطار إشكالية الوعي، فالخطاب العلماني يتهمه بأنه تراثي عقلاً وخطاباً وحركة، ورجعي ويعيش الماضي بكل تفاصيله، في حين تتهمه المؤسسة الدينية بأنه يعيش قطيعة مع التراث الديني والعلم الديني، وأن أدوات تفكيره بعيدة عن الأدوات العلمية التراثية المترشحة عن الأصول الإسلامية، وأنه سطحياً في خطابه ونقده،
ولكل من الاتجاهين (العلماني والديني) منطلقاته؛ فهما، وإن أخطآ في تشخيصهما، إلا أنهما لاينطلقان من فراغ على العموم، ولعله يعود إلى طبيعة تعامل أكثر المثقفين الإسلاميين مع التراث والعلم الشرعي، وهو تعامل يشوبه الارتباك وعدم التوازن وعدم المنهجية؛ فتكون نتيجة هذا التعامل إسلامياً جامداً على التراث دون وعي حقيقي بالعصر، أو إسلامياً عصرياً مصاباً بنوع من الانفلات الفكري والثقافي. وهذا اللون من اللاتوازن هو أحد أهم أسباب أزمة المثقف الإسلامي. في حين أن بعض المثقفين الإسلاميين الذين تعاملوا بعمق ومنهجية مع التراث والعلم الديني، استطاعوا أن يعيشوا توازناً في أساليب تفكيرهم ورؤيتهم، وينتجوا خطاباً إسلامياً واعياً وأصيلاً.
إن المراد من التراث والعلم الديني هنا هو التراث الإسلامي والمعارف الشرعية تحديداً، أي العلوم والمعارف التراثية التي تدخل في فهم «النص المقدس»، وتبنى على أساسها المعتقدات والأحكام الشرعية، وهي العلوم التي أسسها المحدثون والفقهاء السلف، والتي تبلورت وأخذت شكلها الحالي عبر قرون طويلة من الدراسة والبحث والتصنيف، وخاصة علوم القرآن الكريم وعلوم الحديث الشريف. وعلى أساس هذه العلوم قام عِلمان كبيران هما علم الكلام (العقيدة) وعلم الفقه (الأحكام). وهذه العلوم هي التراث، وهي قوام الهوية الإسلامية في الماضي، وأساس هوية الحاضر، ومنطلق النهوض الإسلامي المستقبلي، وهي المساحة القابلة للتحوّل والتجديد والاجتهاد وإعادة القراءة. أما النص المقدس (القرآن الكريم والصحيح من السنة الشريفة) فهو ليس تراثاً؛ بل الثابت والملزِم في الماضي والحاضر والمستقبل، والذي لا يخضع لظروف الزمان والمكان.
وقد تمظهر التعامل الانفعالي اللامتوازن لأغلب المثقفين الإسلاميين مع التراث الإسلامي والعلوم الشرعية، في فكرهم الحركي وفي خطابهم الذي يشكّل جزءاً أساسياً من الخطاب الإسلامي المعاصر، كما انعكس على الواقع الإسلامي المعاصر عموماً، وتسبب في انحراف بعض الإسلاميين فكراً أو سلوكاً، وبروز القلق العقيدي والفكري لدى آخرين، فيما تعرض الجزء المتبقي الى الإلغاء من قبل المؤسسة الدينية، برغم أن هذا الجزء يتمتع بالأصالة الفكرية والعلمية وبالتعامل المنهجي مع التراث، ودرس العلوم الشرعية وفق المعايير المتعارفة حوزوياً؛ إلا أن شبهة التعامل اللامتوازن للمثقف الإسلامي مع التراث طالت هذا الجزء أيضاً، بجريرة الفئات الأخرى من المثقفين الذين شطحوا فكرياً أو لم يتعاملوا منهجياً مع العلم الشرعي.
ولعل من أسباب عدم اهتمام المثقف الإسلامي بتراثه وبدراسة العلم الشرعي وبالتفقه، بل والقطيعة مع التراث أحياناً، يعود الى انفعال المثقف الإسلامي في مواجهة الخطاب العلماني، المحلي أو الغربي، الذي يتهم المثقف الإسلامي بــ(السلفية) و(الماضوية) و(الأصولية) و(اللاعقلانية) و(الجمود) و(التخلف)، ومقاطعة العصر وثقافاته وتحولاته، ورفض الواقع وحيثياته. هذه التهم التي ظلت تلاحق المثقف الإسلامي، تسببت في هزيمة داخلية ونفسية لدى بعضهم، مما تسبب في لهاث بعضهم وراء تشرّب معاني مفهوم "المثقف" في علم الاجتماع أو وفق مايطرحه المفكرون الغربيون. فكانت النتيجة أن أصبحت المناهج والنظريات والأسماء الغربية، وآخر المصطلحات الوافدة، والمشكلات الثقافية الآنية، هي الشغل الشاغل لهذا البعض، بقصد أو بدونه، من أجل دفع شبهة عدم العصرنة وعدم التخلف.
وعلى الضفة الأخرى؛ يحاول بعض المثقـفين الإسلاميين (كتّاب أو صحفيين أو أكاديميين أو سياسيين) التأسيس لنظريات إسلامية في مجالات تخصصية، وتحديد موقف الشريعة، والإجابة على إشكاليات فكرية تخصصية. في الوقت الذي تستدعي هذه المحاولات فهماً عميقاً للتراث الإسلامي ودراسة منهجية للعلم الشرعي، يفتقر إليهما المثقف المسلم غالباً.
إخترنا لكم
- ظاهرة الغلو في الدين .. مقاربات ومعالجات
- تكريمنا في المهرجان العالمي البحثي لاسبوع التحقيق السنوي
- رويكردى نو حديث غدير ( مقاربة جديدة في حديث الغدير )
- قناة كنوز المعرفة / قناة فكرية تخاطب العقل الإنساني الواعي
- تطبيق " صدرنا " كتب وبحوث المفكر الإسلامي محمدباقر الصدر
- صدور كتاب النظرية المهدوية في واقعها العقلي والروائي
- العلم الإجمالي وتطبيقاته على النصوص الحديثية والكلامية
- دراسة حديثة تتناول مناهج المحدثين في التشدد والتساهل والاعتدال وانعكاسه على التراث الحديثي
آخر الأسئلة و الأجوبة
- ما صحة هذا القول : إنّ الشيعة لا يحتاجون لعلم الجرح والتعديل؛ لان عندهم المعصوم
- هل المهم أن نحفظ القرآن أو نستنطقه ونتدبره
- كيف نخلق ثقافة المحبة وخلق الإبتسامة في المجتمع
- حلاوة وزينة ذكر علي عليه السلام
- هناك من يدعي المنافاة بين طول العمر والعادة المطردة لقصر العمر
- هلاّ ارشدتني إلى كتب استطيع من خلالها الإلمام بعلم الجرح والتعديل
- كيف تقرؤون نوعية الخطاب الديني والخطيب