أنماط العقول ! قراءة معرفية في تصنيفات الشهيد المطهري
أنماط العقول ! قراءة معرفية في تصنيفات الشهيد المطهري
د. يحيى عبد الحسن هاشم
التمهيد: في زمنٍ تتزاحم فيه الأصوات وتتكدّس المعلومات، لم تعُد الأزمة في "كمّ نفكر"، بل في "كيف نفكر؟". من هنا، تأتي أهمية التمييز بين أنماط العقول وطُرقها في التعاطي مع المعرفة. وهي مسألة لم يغفل عنها الشهيد المفكر مرتضى المطهري (رضوان الله عليه)، الذي قدّم نموذجًا بالغ العمق في تصنيفه وتشبيهه للعقول إلى: نملية، ذبابية، ونحلية. هذه المقالة ليست استذكارًا رمزيًا لتشبيهات لطيفة، بل هي محاولة لتفكيك هذه النماذج باعتبارها خرائط عقلية حقيقية، تكشف عن طبيعة التفاعل المعرفي للفرد مع الفكرة، والنص، والحقيقة. إنها دعوة لأن نسأل أنفسنا بكل صدق: إلى أي عقل ننتمي؟ وماذا ننتج؟ الشهيد مرتضى المطهري (رضوان الله عليه) كان من أعمق العقول في تشخيص أنماط التفكير والسلوك المعرفي، وقد استخدم تشبيهات دقيقة ذات طابع رمزي لوصف أنماط من العقول وطريقة تعاملها مع المعرفة. ومن أبرز هذه التصنيفات:
1. العقل النملي (النملية): عقلٌ يجمع المعلومات بشكل تراكمي دون أن يربطها أو يفهم نسقها، تمامًا كما تجمع النملة فتات الطعام وتخزنها، لكنه لا يصنع من هذه المعلومات معرفة حقيقية أو منظومة فكرية. يرمز هذا النمط إلى الشخص الذي يكدّس الكتب والمعلومات والاقتباسات، دون أن يمتلك رؤية تحليلية تفسيرية أو مشروعًا معرفيًا.
2. العقل الذبابي (الذبابية):
عقلٌ يتتبّع ما هو فاسد أو مثير للريبة، تمامًا كما يحوم الذباب حول القاذورات، لا يبحث عن جوهر الحقيقة بل ينشغل بالتناقضات، الثغرات، أو التفاهات. فهذا التشبيه يرمز إلى النمط الجدلي العدمي، الذي لا يسعى للفهم بل للهدم، ولا يُنتج معرفة بل يقتات على ثغرات الآخرين، أو يصطاد في الماء العكر.
3. العقل النحلي (النحلية):
عقلٌ يميز بين الزهر والشوك، فيأخذ من كل زهرة رحيقها ويصنع منه عسلاً. هذا هو النموذج المثالي الذي دعا إليه المطهري: عقلٌ ناقد، منتج، يتعامل مع النصوص والأفكار بوعي انتقائي رصين، يميز النافع من الزائف، ويتفاعل مع التراث والمعاصرة بروح توليدية لا نقليّة. استمد المطهري هذه الرموز من تقاليد الفكر الإسلامي والفلسفة القديمة، حيث يُنقل عن أرسطو ، قوله : "كن كالنحلة، تأخذ من كل زهرة أجود ما فيها، وتصنع منه شرابًا شافيًا." وكذلك نجد في القرآن الكريم تأييدًا لهذا النموذج النحلي: ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [سورة النحل: 69] ختاماً: من المهم اليوم، في زمن الفوضى المعرفية، أن نُعيد إحياء هذا التصنيف، لا كمجرد رموز بل كنماذج نقدية لفحص عقلنا المعاصر: هل نحن نملٌ نُكدّس بلا تمحيص؟ أم ذبابٌ نبحث عن العيوب؟ أم نحلٌ ننتج الوعي والرحيق المعرفي؟ .
# اقتبست قول المطهري لتصنيفات العقول في بعض الجلسات العلمية ، وقد نُقلت لي من بعض كتبه باللغة الفارسية. وللأسف لم أعثر على أصل المقالة .
إخترنا لكم
- أنماط العقول ! قراءة معرفية في تصنيفات الشهيد المطهري
- الناس أعداء ما جهلوا - قراءة في أعظم الحكم الإنسانية
- الفلسفة والحكمة في ميزان النص القرآني والروائي
- الشباب في زمن التفاهة - كرسي فكري اسبوعي
- اُفق المعرفة جامعتنا الفكرية
- الكرسي الاسبوعي الفكري : النص الديني وصناعة المعنى
- حين ينطق الكون: الوعي الكوني… إدراك الوجود في حركته الجوهرية
- الشباب ؛ طاقة التغيير ومفصل النهضة في الرؤية الإسلامية
آخر الأسئلة و الأجوبة
- كيف نخلق ثقافة المحبة وخلق الإبتسامة في المجتمع
- هل ان الحديث المقطوع هو نفسة الحديث المعلق؟
- هل من ترك زيارة الحسين (ع ) من غير علة يستحق الدخول في النار؟
- ما الفرق بين الاحتياط الوجوبي والاستحبابي ، من حيث دلالة الدليل و فعل المكلف
- كيف نفهم التجديد والحداثة وما هي قراءتكم له ؟
- ما صحة هذا القول : إنّ الشيعة لا يحتاجون لعلم الجرح والتعديل؛ لان عندهم المعصوم
- لمن نقرأ في البحوث التفسيرية والعقدية ؟
