ولادة إنسان غَيّر معنى الإنسان ؛ رسول الله صلى الله عليه وآله والتحول الإنساني
ولادة إنسان غَيّر معنى الإنسان
رسول الله صلى الله عليه وآله والتحول الإنساني
د. يحيى عبدالحسن هاشم
حين نستذكر ولادة رسول الله صلى الله عليه وآله، فإننا لا نقف أمام ولادة لشخصية عظيمة في التاريخ فحسب، وإنما أمام ولادة إنسان سيحمل بعد ذلك رسالةً أحدثت تحولًا عميقًا في رؤية الإنسان إلى الله، وإلى نفسه، وإلى الآخرين، وإلى الحياة.
وهنا يمكن أن نطرح سؤالًا مختلفًا في ذكرى ولادته:
ماذا يعني أن يولد في التاريخ إنسان سيغيّر معنى الإنسان؟
لم تبدأ الرسالة المحمدية بتغيير الأشياء المحيطة بالإنسان، وإنما بدأت بتغيير رؤيته؛ لأن الإنسان يتحرك في الحياة وفق الصورة التي يحملها عنها. فجاء التوحيد ليعيد ترتيب علاقته بالله وبالعالم، وليحرره من الخضوع للأشياء التي يصنعها البشر ثم يمنحونها سلطةً على حياتهم.
وقد أشار العلاّمة الطباطبائي إلى مركزية التوحيد في البناء الإسلامي، ورأى أن المعارف والأخلاق والقوانين العملية في الإسلام تشكل منظومةً مترابطة ترجع في أصولها إلى التوحيد، وعبّر عن ذلك بقوله:
«وجميعها متلائمة وأجزاؤها متصلة أصولًا وفروعًا، فروعها مرتبة على أصولها».
الميزان في تفسير القرآن، ج1، ص 152.
إعادة تعريف قيمة الإنسان:
ومن أعمق التحولات التي حملها رسول الله صلى الله عليه وآله أنه أعاد، من خلال القرآن، تعريف قيمة الإنسان.
ففي عالم كانت للقبيلة والنسب والقوة والمال فيه سلطة واسعة، جاء القرآن ليقرر:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
ويلتقط العلاّمة الطباطبائي هذا المعنى بدقة، فيقرر أن:
«الناس بما هم ناس يساوي بعضهم بعضًا، لا اختلاف بينهم ولا فضل لأحدهم على غيره».
ويناقش ما يتخذه الناس من المال والنسب والحسب ونحوها معايير للتفاضل، ويصفها بأنها «مزايا وهمية» في مقابل الكرامة الحقيقية.
الميزان في تفسير القرآن، ج18، ص 220. تفسير سورة الحجرات، الآية 13.
لقد نقلت الرسالة المحمدية مركز القيمة من الأشياء المحيطة بالإنسان إلى الإنسان نفسه وما يصنعه من ذاته.
وهذه القضية لا تزال حاضرة بقوة في عصرنا .
ولهذا يضعنا القرآن أمام سؤال دائم:
بأي ميزان نقيس الإنسان؟
والتحول الذي حمله رسول الله صلى الله عليه وآله لم يكن معرفيًا فقط؛ فالقرآن يصف وظيفته بقوله:
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: 164].
يتلو، ويزكي، ويعلم:
إنها ثلاثة أبعاد تكشف أن المشروع النبوي لا يتعامل مع الإنسان باعتباره عقلًا يحتاج إلى المعلومات فقط؛ فالإنسان يحتاج إلى معرفة تصحح رؤيته، وتزكية تبني نفسه، وقيم تظهر في سلوكه.
وهذا يقودنا إلى قاعدة مهمة:
المعرفة التي لا تصنع تحولًا في الإنسان تبقى عاجزة عن تحقيق الغاية الكاملة التي أرادتها الرسالة؛ لأن القرآن لم يفصل بين التعليم والتزكية.
وتزداد أهمية هذا المعنى في عصر تتدفق فيه المعلومات بصورة هائلة، فيما لا يعني امتلاكها بالضرورة أن الإنسان أصبح أكثر وعيًا أو أخلاقًا.
النبي نموذجًا للإنسان:
ولم يترك القرآن هذه القيم في مستوى المفاهيم المجردة، وإنما جعل رسول الله صلى الله عليه وآله نموذجًا عمليًا لها:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21].
وقد فسر العلاّمة الطباطبائي الأسوة بالاقتداء والاتباع، وربطها بالتأسي برسول الله صلى الله عليه وآله في قوله وفعله.
الميزان في تفسير القرآن، ج16، تفسير سورة الأحزاب، الآية 21.
وهنا نصل إلى معنى شديد الأهمية في ذكرى الولادة:
لا يكفي أن نعرف رسول الله صلى الله عليه وآله؛ المطلوب أن يظهر شيء منه فينا.
شيء من صدقه، ورحمته، وعدله، وتواضعه، وصبره، ومسؤوليته تجاه الإنسان.
ولهذا تصبح السيرة النبوية أكثر من تاريخ نقرؤه؛ إنها مرآة نراجع من خلالها أنفسنا.
ماذا تعني ولادته لنا اليوم؟
إن ولادة رسول الله صلى الله عليه وآله كانت ولادة الإنسان الذي سيحمل إلى البشرية مشروعًا يعيد بناء رؤيتها لله والإنسان والقيمة والأخلاق والحياة.
ولهذا ينبغي أن يكون سؤالنا الأعمق:
كم استطاع النبي محمد صلى الله عليه وآله أن يغيّر الإنسان فينا؟
هل تغيرت موازيننا في تقييم الناس؟
هل انعكست معرفتنا الدينية على أخلاقنا؟
هل أصبحت المعرفة وسيلةً لبناء الإنسان، أم تحولت إلى معلومات نتداولها؟
وهل صار رسول الله صلى الله عليه وآله أسوةً في حياتنا، أم بقي شخصيةً عظيمة نحبها ونتحدث عنها دون أن تأخذ قيمه مساحتها الكافية في سلوكنا؟
إن أجمل ما يمكن أن نستحضره في ذكرى ولادته هو مشروع الإنسان الذي جاء ليبنيه.
فقد وُلد النبي محمد صلى الله عليه وآله، ثم حمل رسالةً غيّرت رؤية الإنسان إلى ربه، وإلى نفسه، وإلى الآخرين، وإلى الحياة.
وهكذا كانت ولادته ولادةَ إنسانٍ غيّر معنى الإنسان.
ومن هذا المعنى حمل مشروع «أفق المعرفة، صناعة الوعي» عنوان «الإنسان أولًا»؛ وهو عنوان مستمد من فهمنا للرؤية القرآنية التي حملها رسول الله صلى الله عليه وآله، حيث يحتل الإنسان موقعًا مركزيًا في مشروع الهداية: تعليمه، وتزكيته، وتصحيح رؤيته، وبناء وعيه، وتقويم سلوكه. فإصلاح الإنسان هو المدخل الأساس لإصلاح المجتمع؛ لأن المجتمع في حقيقته لا ينفصل عن الإنسان الذي يصنعه ويتفاعل داخله.
وهذه إحدى الدلالات الكبرى التي نستلهمها من الرسالة التي حملها رسول الله صلى الله عليه وآله.
إخترنا لكم
- ورقة بحثية: الخطاب المنبري من صحة الرواية الى صحة الفهم والتطبيق
- حسينٌ مني وأنا من حسين .. قراءة في الامتداد الرسالي بين رسول الله والحسين عليهم السلام
- ولادة إنسان غَيّر معنى الإنسان ؛ رسول الله صلى الله عليه وآله والتحول الإنساني
- المعجزة وحجية قول النبي صلى الله عليه وآله عند العلّامة الطباطبائي
- العقل العملي في القرآن الكريم ( ندوة فكرية )
- جهاد التبيين وميثم التمّار… الكلمة التي لا تُشترى
- الدين وفهم قراءة الدين… مسافة الوعي والبصيرة
- المرأة والطب؛ رؤية متوازنة بين العفاف وخدمة المجتمع
آخر الأسئلة و الأجوبة
- ما صحة هذا القول : إنّ الشيعة لا يحتاجون لعلم الجرح والتعديل؛ لان عندهم المعصوم
- هل أن الشيعة لهم علم في الجرح والتعديل
- هناك من يدعي المنافاة بين طول العمر والعادة المطردة لقصر العمر
- كبار علماء المدرسة السنية يوثقون حديث الغدير
- ما هو الكتاب المهم في رد الإلحاد المعاصر
- الاقتران بين الحب للعترة الطاهرة والعمل هما المنجيان
- هل المهم أن نحفظ القرآن أو نستنطقه ونتدبره
